ابن قيم الجوزية
163
الروح
عَلى أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا : بَلى شَهِدْنا « 1 » الآية وبقوله تعالى وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا « 2 » ، قال فصح أن اللّه خلق الأرواح جملة وهي الأنفس ، وكذلك أخبر عليه السلام : « إن الأرواح جنوده مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف » ، قال وأخذ عز وجل عهدها وشهادتها وهي مخلوقة مصورة عاقلة قبل أن يأمر الملائكة بالسجود لآدم ، وقبل أن يدخلها في الأجساد يومئذ تراب . وقال : لأن اللّه تعالى خلق ذلك بلفظة ثم التي توجب التعقيب والمهلة ثم أقرها سبحانه وتعالى حيث شاء وهو البرزخ الذي ترجع إليه عند الموت . وسنذكر ما في هذا الاستدلال عند جواب سؤال السائل عن الأرواح [ هل ] « 3 » هي مخلوقة مع الأبدان أم قبلها ؟ إذ الغرض هنا الكلام على مستقر الأرواح بعد الموت ، وقوله أنها تستقر في البرزخ الذي كانت فيه قبل خلق الأجساد مبني على هذا الاعتقاد الذي اعتقده ، وقوله : إن أرواح السعداء عن يمين آدم ، وأرواح الكفار الأشقياء عن يساره حق ، كما أخبر به النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم ، وقوله أن ذلك منقطع العناصر ، لا دليل عليه من كتاب ولا سنّة ، ولا يشبه أقوال أهل الإسلام ، والأحاديث الصحيحة تدل على أن الأرواح فوق العناصر في الجنة عند اللّه ، وأدلة القرآن تدل على ذلك ، وقد وافق أبو محمد على أن أرواح الشهداء في الجنة ، ومعلوم أن الصديقين أفضل منهم ، فكيف تكون روح أبي بكر الصديق وعبد اللّه بن مسعود وأبي الدرداء وحذيفة بن اليمان وأشباههم رضي اللّه عنهم عند منقطع العناصر ، وذلك تحت هذا الفلك الأدنى وتحت سماء الدنيا ، وتكون أرواح شهداء زماننا وغيرهم فوق العناصر وفوق السماوات . وأما قوله : قد ذكر محمد بن نصر المروزي عن إسحاق بن راهويه أنه ذكر هذا الذي قلنا بعينه ، قال : وعلى هذا جميع أهل العلم وهو قول جميع أهل الإسلام . ( قلت ) محمد بن نصر المروزي ذكر في كتاب الرد على ابن قتيبة في تفسير
--> ( 1 ) سورة الأعراف ، الآية 172 . ( 2 ) سورة الأعراف ، الآية 172 و 173 . ( 3 ) زيدت على المطبوع .